طباعة الصفحة طباعة الصفحة
RSS Feed كتابات
RSS Feed
بحث

  
أن يأتي الربيع الأسمر متأخراً
نشر منذ: 5 سنوات و 3 أسابيع و يومين
الأربعاء 12 نوفمبر-تشرين الثاني 2014 10:03 م


تعيش أفريقيا جنوب الصحراء، بعد نحو أربع سنوات من اندلاع شرارة الربيع العربي، ربيعها الخاص متأخراً. وهذه الحالة المترددة لم تبدأ باحتجاجات بوركينا فاسو الشعبية، في 30 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، في إدانة كاملة للفساد والاستبداد الذي استمر 27 عاماً، حتى هروب رئيسها المخلوع، بليز كومبواريه، إلى ساحل العاج، وإنّما سبقتها ثورات مجهضة، مثل احتجاجات السودان في سبتمبر/أيلول من عام 2013، والتي تُعتبر المظاهرات فيها الأعنف منذ انقلب الرئيس عمر البشير على الديمقراطية، واستولى على الحكم في 30 يونيو/حزيران 1989، وبعد إحباط محاولة التغيير بانقلاب عسكري من داخل مؤسسة الجيش في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012. وفي الإطار الأفريقي نفسه، شهدت تلك الفترة عدة انقلابات عسكرية، وصل بعضها إلى سدة الحكم وأخرى باءت بالفشل.

أثبتت هذه السنوات القليلة أنّ ديمقراطية القارة الأفريقية لا تسير وحيدة، من دون رفقة العسكر، فما حدث في مصر مثال واضح على تزاوج الولاءات بين مناصري الديمقراطية الكرتونيين، الذين ارتضوا السلطة المتنفذة بديكتاتوريتها، لتأجيج صراعات مطولة ووحشية، وجدت تربتها الخصبة في هذه الحالة من الفوضى.

كانت أفريقيا المنطقة الأكثر تأهيلاً لقيادة التغيير والثورة على النظم الديكتاتورية، نظراً إلى تداخل تاريخها بين أزمات العبودية وحركات التحرر والنضال الوطني. وذاك الواقع هو ما جعل مفهوم الحرية في أفريقيا يختلف عن غيره من قارات العالم، خصوصاً بعد حصول معظم دول القارة على استقلالها من الاستعمارين، البريطاني والفرنسي، في عقدي الخمسينيات والستينيات. ونظراً لحال الأحزاب الموجودة على الساحة السياسية الآن، فإنّ جدوى التعويل عليها في إحداث التغيير المطلوب ما زال يكتنفه شك كثير.
 

ما يمور في أفريقيا من ردّة فعل على نظم الحكم الديكتاتورية شكّل السيناريو الأكثر مشاهدة في الشارع الأفريقي، وهو المحفّز الرئيسي لصد ودحر الفوضى المتولدة عن الغبن والظلم، جراء استشراء الفساد والديكتاتورية. تتشابه شوارع المدن الأفريقية في وقائع الحياة اليومية وتفاصيلها الصغيرة، فالعمال والموظفون تلتهم أشعة الشمس وجوههم المقطبة، وهم يتزاحمون لحاقاً بالمركبات، لتوصلهم إلى أعمالهم في الطرقات المغبرة والمتعرجة. هذه مشاهد أناس تتعلق أرواحهم بالدولة، أما، في الجانب الآخر، فمشهد من يئسوا من الدوران حول حلقة الدولة المفرغة، فاستحالوا إلى باعة متجولين لكل شيء، حتى الماء في أحياء السقاءين، لا يزالون يتوهمون أنّ هذه الدنيا تعطي أكثر مما تأخذ، لا يدرون، كماً ولا كيفاً، ولكن لا يكفون عن التوهم.


ثم مشاهد لآخرين يمثلون الوجه الآخر لنظرية البيع والشراء، ضد ثقافة القوي يأكل الضعيف، يقضون سحابة نهارهم، ينبشون حقاً مسكوتاً عنه دائما وبالقانون. قناعتهم عميقة بأنّه رغم كل شيء، لا قوي غير هذا الحق الضائع باليمين المغلّظ زوراً، باللف والدوران، بالعطاءات والاعتمادات والصفقات، التي جعلت من المال دولة بين الأغنياء. هؤلاء يقفون على الهامش، ويراقبون على الرصيف، يخلقون عالمهم بأيديهم، عالم تشرق شمسه على ظهورهم النحيلة والمنهكة وتغيب. ووسط هذه الهموم والمشاغل، يتجلى دور السلطة الأول في قطع محاولات الوصول إلى هامش من الحرية، ومنع أكسجين الحياة عن حبلها السري، ولم يزل المواطن بعد معصوب القلب والعينين.


فكيف لا ينتفض الشارع الأفريقي، ومشاهده تتكرر، وما أقساها من مشاهد. صغار يهلكهم الجوع والمرض، يأخذون قيلولتهم على شاطىء نهر كاجيرا، وعلى طول نهر النيل. وما أعجبه من تناقض الرمزين، فبين الماء رمز الحياة وبين بؤس الموت واقترابه من وجوه هؤلاء على شاطئ الحياة، موت يتسلل إليهم من فقدان الأمل، وفقدان الكرامة الإنسانية، حياتهم مملة وأيامهم متشابهة، حتى أصبحت عبئاً ثقيلاً من الصعب تحملها بصياغاتها اليومية الآدمية. حياة تحولهم إلى فرائس صغيرة بين أدغال غابات الإسمنت، التي فقدت روحها وقلبها. وتبقى صور المشردين يرتدون ملابس بلون الأرض القاحلة، لون فقرهم وضعفهم ومرضهم، وأحياناً، تسودُّ فتكون بلون الرصيف، الذي عليه ينامون ويستيقظون، قبل أن تتثاءب الشمس فتلفحهم في نهار يوم آخر متكرر.


فاح نسيم الربيع الأسمر، عندما عجز التحول الديمقراطي عن التقدم خطوة على الأقل، لإنصاف أمثال هؤلاء، وذلك لأنّه يمشي بساق مبتورة. شرق القارة تلسعه صفقات الهجير، وفي غربها ما زال عرق الجلادين يتصبب على ظهور الضعفاء، والشمال يدخل معركة حاسمة، أو خاسرة، مع الديمقراطية، أما بقية القارة فتخرج من جراحاتها لتعود إلى أخرى يمسك دفتها العسكر.


تتململ أفريقيا، وربما تعلن هذه الثورات ضمن تغيرات جوهرية، كما حدث في مركز أحداث غيرت وجه العالم أخيراً. قد تسلك أفريقيا درب الربيع العربي في ثوراتها الفعلية والمحتملة، وفي انقسام قوتها إلى عدد من القوى، وما نشهده، الآن، من تزايد للكيانات الفاعلة غير التابعة لدولة بعينها، والتي تتراوح بين المنظمات الإرهابية والميليشيات المسلحة. وقد تأتي بالديمقراطية المرجوة أرواحٌ منهكة، تسعى إلى إيجاد موقع قدم في هذه القارة الشاسعة، بإرادة حرّة غير مفوّضَة من الساسة، أو مُصادَرة من العسكر.

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع المركز اليمني للإعلام نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى كتابات
كتابات
كيف يُحكم عالم أفلت زمامه؟
أجراس انتحار زينب المهدي
عروبة الحضارة وإسلاميتها
بانتظار أن تكرم ثورة تونس أو تهان
أخيراً تم النيل من رأس الأفعى في اليمن
الاعتراف البريطاني بفلسطين ووعد بلفور
المزيد ..