طباعة الصفحة طباعة الصفحة
RSS Feed كتابات
RSS Feed
بحث

  
كيف يُحكم عالم أفلت زمامه؟
نشر منذ: 5 سنوات و 3 أسابيع
الجمعة 14 نوفمبر-تشرين الثاني 2014 09:38 م


ترى هل يمكننا بناء نظام دولي قادر على حفظ السلام وحمايته والسماح للدول بالاضطلاع بأدوار متفق عليها؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه هنري كيسنجر في كتابه الجديد "النظام العالمي"، ولكن من المؤسف أنه السؤال الخطأ.

يرسم كيسنجر حدود "النظام العالمي" بوصفه تصورا لترتيبات دولية عادلة "يعتقد أنها قابلة للتطبيق على العالم بأسره"، فقبل ظهور الاتحاد الأوروبي -على سبيل المثال- كانت أوروبا تتخيل النظام العالمي كميزان للقوى العظمى تتمكن أديان وأشكال حكم متعددة من التعايش السلمي في إطاره.

وبوصفه حضارة وديانة، يتصور الإسلام النظام العالمي الأمثل في هيئة مختلفة تماما كخلافة، حيث تتوحد العقيدة الدينية والحكم ويسود السلام في مختلف أنحاء دار الإسلام، وهذا بكل تأكيد ليس اعتقاد كل المسلمين أو حكومات الدول ذات الأغلبية المسلمة، ولكن التطرف الذي تعتنقه جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية لا يسعى إلى نشر قواعده السلوكية فحسب، بل وأيضا رؤية كاملة للعالم.

ويرى كيسنجر أن التصورات المتنافسة للنظام العالمي منتشرة ليس فقط في الشرق الأوسط، بل وأيضا في آسيا، فالصين تلعب حاليا وفقا للقواعد الدولية ولكنها تشير على نحو متزايد إلى أنها تتوقع التعامل معها باعتبارها الأولى بين دول متساوية في المنطقة (كما أصرت الولايات المتحدة لفترة طويلة في وصفها وضعها في الأميركيتين) ولكن مع تنامي قوة الصين ومطالبتها بما تعتقد أنها مكانتها التاريخية في آسيا والعالم، فإلى متى قد تنتظر قبل أن تصر على إعادة صياغة القواعد الدولية؟

أما روسيا فهي تكسر هذه القواعد الدولية صراحة ولم تعد تكلف نفسها عناء تبرير تصرفاتها بموجب القانون الدولي، بل إنها تتفاخر باستعادة الأراضي التي حكمها الكرملين ذات يوم وتهدد باستخدام القوة "لحماية" المنتمين إلى العرق الروسي من تهديدات مزعومة.

عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في مارس/آذار الماضي أشار قدري لييك -من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية- إلى الاختلاف الملحوظ في الطريقة التي أدارت بها غزوها لجورجيا في عام 2008، فقد استفزت الحكومة الروسية جورجيا لحملها على مهاجمتها أولا ثم اختلقت مبررا محكما يهدف إلى جعل أفعالها وتصرفاتها متوافقة مع القانون الدولي، ولكن هذه المرة كما كتب قدري "تحدت موسكو نظام ما بعد الحرب الباردة الأوروبي بالكامل، فضلا عن النظام الأساسي الذي تقيم عليه أوروبا قواعدها".

ويأمل كيسنجر بأن تتمكن هذه الدول والقوى الصاعدة مثل الهند وربما البرازيل (يخرج كيسنجر أميركا اللاتينية من حساباته للنظام العالمي) من التوصل إلى اتفاق بشأن مجموعة من القواعد التي يعتبرها الجميع مشروعة، فتحافظ بالتالي على استقرار توازن القوى العالمية، وهو يعتقد أن مبدأ التعددية سوف يشكل أهمية بالغة كونه ضروريا للسماح لمختلف الدول والحضارات بالعمل وفقا لمبادئ محلية متباينة ومتنوعة إلى حد كبير.

ولكن أي نظام عالمي فعال صالح للقرن الـ21 لا بد أن يفعل ما يزيد كثيرا على مجرد حفظ السلام، فيركز كيسنجر على العلاقات بين الدول على الكيفية التي يمكن بها من منظور دولة ما تجنب الدخول في حرب مع الدول الأخرى، وفي الوقت نفسه ردع هذه الدول عن العدوان أو غير ذلك من التصرفات التي من المحتمل أن تزعزع توازن القوى الإقليمي أو العالمي.

ومع هذا فإن مجرد النظر إلى عناوين الصحف الرئيسية اليوم يشير إلى أن الأسباب الأكثر ترجيحا لقتل وتشريد الملايين -إن لم يكن مئات الملايين- من البشر في العقود المقبلة تكمن في تهديدات عالمية مثل الأوبئة، وتغير المناخ، والشبكات الإرهابية والإجرامية، وليس الحروب بين الدول.

صحيح أن غزو روسيا لأوكرانيا أدى إلى موت أكثر من ثلاثة آلاف إنسان، ولكن التوقعات الحالية لانتشار مرض إيبولا تنبئ بارتفاع عدد الإصابات إلى نحو مليون حالة بحلول يناير/كانون الثاني.

ووفقا لتقارير منظمة الصحة العالمية، فإن وباء فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) قتل 36 مليون إنسان (وهو رقم أعلى بنحو عشرة ملايين وفقا للتقديرات من عدد الوفيات الناجمة عن أعمال عسكرية في الحرب العالمية الثانية)، هذا فضلا عن إصابة 35 مليون إنسان بالعدوى.

وتتشابك العديد من هذه التهديدات العالمية بشكل وثيق مع الحروب، ولكن الحروب الأكثر ترجيحا هي تلك التي تدور رحاها داخل الحدود وليس عبرها، ولنتأمل هنا كيف نزح ما يقرب من ثلثي سكان سوريا بفعل الحرب الأهلية التي تجتاح البلاد، وكيف يعيش الملايين في بؤس شديد بمخيمات اللاجئين.

وتعكس حالة الرعاية الصحية المأساوية -التي يرثى لها في ليبيريا وسيراليون حيث يتفشى إيبولا- عقودا من الحرب الأهلية المروعة في البلدين، وترجع جذور العنف الدائر في منطقة البحيرات العظمى في أفريقيا -والذي حصد أرواح الملايين من المدنيين- إلى حملة الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا في عام 1994 وما أسفرت عنه من لجوء أعداد هائلة من السكان من قبائل "الهوتو" إلى الدول المجاورة.

وسوف تدفع موجات الجفاف والفيضانات الناجمة عن تغير المناخ الملايين من البشر إلى الهجرة أولا إلى مدن مزدحمة وقابلة للاشتعال بالاضطرابات، ثم عبر الحدود، ولعل روسيا وكندا تسعدان باستقبالهم مع انفتاح مساحات شاسعة جديدة من الأراضي، ولكن العديد من أجزاء العالم الأخرى مكتظة بالسكان بالفعل، وهو ما من شأنه أن يثير الصراعات.

إن الحفاظ على السلام أمر يتطلب ضبط النفس وكبح العواطف، كما يتطلب التعاون العالمي الفعال المزيد من الأمر نفسه، ويتعين على الحكومات أن تجتمع جنبا إلى جنب مع القوى الفاعلة من عالم المال والأعمال والمجتمع المدني من أجل تبني خطط عمل شاملة.

بدورها، تتطلب هذه الخطط التمويل والطاقات البشرية والإرادة الجماعية والقدرة على التنفيذ، بيد أن العالم اليوم في مواجهة الفيروس -الذي يقتل نصف من تصيبهم عدواه والذي قد يهلك منطقة بأكملها في أفريقيا ويعطل السفر الجوي ويؤدي إلى وضع الناس في مختلف أنحاء العالم بالحجر الصحي- لم يقدم سوى جزء بسيط من المساعدات المالية والمادية اللازمة.

إننا نعيش في عالم تجتاحه مشاكل عالمية تحتاج في الأغلب إلى حلول وطنية، ومن الواضح أن الحاجة إلى المؤسسات القادرة على الاستجابة بسرعة وفعالية -كما تفعل الحكومات المحلية في الدول التي تتمتع بالحكم الرشيد- أصبحت أعظم من أي وقت مضى.

والواقع أن مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد كافية، وقد حان الوقت لإصلاحها وابتكار هياكل وأدوات جديدة مصممة لمعالجة المشاكل العالمية.


المصدر : بروجيكت سينديكيت

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع المركز اليمني للإعلام نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى كتابات
كتابات
أجراس انتحار زينب المهدي
عروبة الحضارة وإسلاميتها
هادي وصالح.. من يبتلع الآخر
أن يأتي الربيع الأسمر متأخراً
بانتظار أن تكرم ثورة تونس أو تهان
أخيراً تم النيل من رأس الأفعى في اليمن
المزيد ..